لماذا لا يتضامن العرب؟

لم يعد شعار التضامن العربى يثير الحماس. ليس فى هذا مفاجأة كبيرة فالصراعات بين الدول العربية كثيرة، والمؤسسات العربية محدودة الفاعلية، والفجوة بين الخطاب والفعل العربى شديدة الاتساع. لم يحدث كل هذا فجأة، فقد تطور الأمر تدريجيا على مدى عقود طويلة.

 

 

قام العمل العربى المشترك على افتراض خاطئ مؤداه أن اشتراك العرب فى الثقافة يؤدى تلقائيا إلى اتفاق مصالحهم. المصالح يتم اشتقاقها من الثقافة. قل لى ما هى ثقافتك أقول لك ما هى مصالحك. هذا افتراض خاطئ تماما. دور الجغرافيا والأيديولوجيا فى تحديد المصالح وتشكيل السياسات أكثر أهمية بكثير من دور الثقافة والهوية. حدثنى عن موقع بلدك على الخريطة، ومن هم جيرانك، أقول لك ما هى مصالحك. قل ما هى العقيدة السياسية للنخبة الحاكمة فى بلدك، أقول لك ما هى اختياراتها السياسية. يوجد فى العالم العربى أيضا أثر كبير لطبائع الحكام الشخصية؛ هذه هى الخصوصية العربية.

السياسة تتبع الثقافة هى فرضية بحثية أكثر منها حقيقة ثابتة. ما هو حجم التشابه فى سياسات دول أمريكا اللاتينية؟ هل هناك ثوابت سياسية تتفق عليها دول أمريكا اللاتينية؟ ما هى حدود التضامن بين دول أمريكا اللاتينية؟ بعض الدول الأمريكية يتضامن مع كوبا فى مواجهة الضغوط الأمريكية، وبعضها الآخر يعتبر كوبا الشيوعية تهديدا. سياسات الدول الأمريكية تجاه كوبا تتغير تبعا لتغير الأحزاب الحاكمة وتباين عقائدها السياسية. أثر العقائد السياسية فى تشكيل سياسات الدول أكبر من أثر الثقافة.

هل تضامنت الدول الأمريكية مع فنزويلا بعد قيام الولايات المتحدة باختطاف الرئيس مادورو وزوجته من غرفة نومهما؟ انتقدت أغلب الدول اللاتينية العدوان الأمريكى، لكنها لم تذهب أبعد من ذلك. الفارق الهائل فى القوة بين دول أمريكا اللاتينية والجارة الشمالية يشكل سياسة الدول الأمريكية أكثر من المشترك الثقافى بينها. الظل الثقيل للجار الشمالى القريب القوى يجثم على الدول اللاتينية. ميزان القوى أكثر تأثيرا فى سياسات الدول من ثقافتها. الأرجح أن الدول الأمريكية لديها شك عميق، وربما كراهية، للجار الشمالى القوى دائم التدخل فى شئونهم، لكن فارق القوة يمنع المشاعر من التحول إلى سياسة فاعلة. الدول الأمريكية التى تحكمها أحزاب يمينية، الأرجنتين نموذجا، أيدت التدخل الأمريكى فى فنزويلا. الأيديولوجيا وليس الثقافة أكثر تأثيرا فى تشكيل مشاعر التعاطف والكراهية وسياسات التأييد والرفض.

منظمة التعاون الإسلامى ومنظمة الدول الناطقة بالفرنسية منظمات قامت على أساس المشترك الثقافى، فهل يمثل أى منها كتلة سياسية؟ إيران ودول الخليج العربية أعضاء فى منظمة التعاون الإسلامي. لم يحم هذا دول الخليج من اعتداءات إيران. العراق والكويت أعضاء فى المنظمتين العربية والإسلامية. لم يحم هذا الكويت من غزو العراق، فكانت الحرب الحقيقية الوحيدة التى جرت بين بلدين عربيين فى التاريخ الحديث. ربما تقلل الثقافة المشتركة من احتمالات الحرب بين الدول، لكنها لا تزيد فرص التعاون بينها.

عندما غزا صدام حسين الكويت، وقف بعض العرب مع العراق ووقف بعضهم الآخر مع الكويت. لم يكن للأمر علاقة بالثقافة المشتركة بينهم جميعا، لكن كان للأمر علاقة بالجغرافيا والعقائد السياسية. كان صدام حسين يحكم بلده باسم حزب البعث، أكبر أحزاب القومية العربية. لم تكن هذه مجرد مصادفة. تؤكد العقيدة القومية أن هوية الشعب وثقافته تحتم توحيده فى دولة واحدة. قفز البعث من مستوى الأفراد إلى مستوى الدول، فإذا كان الأفراد أصحاب الثقافة المشتركة يتوحدون، فكذلك الدول صاحبة الثقافة المشتركة أيضا. كان لهذا الاستنتاج الخاطئ أثر هائل على السياسة العربية لسنوات طويلة. أكثر دولة قاومت مطالب البعث العراقى الوحدوية هى سوريا التى حكمها حزب البعث أيضا. لم تكن هذه مجرد مصادفة حزينة أخرى، لكنها كانت أساس العوار الذى أصاب السياسة العربية لسنوات طويلة. لقد انتهى البعث، وانقضت سنوات القومية العربية، لكن خبرة سنوات تكوين النظام الإقليمى العربى، والخطاب السياسى الذى خلفته مازالت تمارس أثرها على العالم العربي. بعض العرب يحاولون تحقيق التضامن العربى باستخدام تنويعات على خطاب القومية العربية المنقرضة، وبعضهم الآخر يحاول التخفف من التزامات العروبة وقيودها، والتشرذم الراهن هو النتيجة.

الثقافة لا تفسر سياسة الدول، ولا تشكلها إلا فى حدود ضيقة جدا. أثر الثقافة فى السياسة داخل الدول أكبر بكثير من أثرها فى السياسة بين الدول. وقع الخطأ عندما جرى التعامل مع السياسة بين الدول العربية وفقا لنفس القواعد التى نتعامل بها مع السياسة داخل الدولة الواحدة. الثقافة تشكل سلوك الأفراد، والمصالح تشكل سلوك الدول، ومن الخطأ خلط الأمرين.

التضامن بين الدول المشتركة فى الثقافة هو احتمال، قد يحدث أو لا يحدث. أقول ذلك ليس لتبرير اختلافات العرب وسبغ الشرعية عليها، لكن لتشخيص مصدر الخطأ فى السياسة العربية. افترضنا اتفاق المصالح، بينما كان علينا بناء المصالح المشتركة ورعايتها لا افتراض وجودها. الاعتراف بشرعية المصالح المختلفة للبلاد العربية هو نقطة البداية لإصلاح الوضع العربي. الدول العربية متساوية، ولمصالح ومخاوف وانشغالات كل منها نفس الوزن والأولوية. أى محاولة للالتفاف حول هذا المبدأ تعمق أزمة التشرذم العربى.

* عن الأهرام..
التعليقات