سمير غانم.. حكاية "مدرسة كوميدية مصرية" أضحكت أجيالًا عربية

لم يكن الفنان الراحل سمير غانم نجمًا بل ظاهرة استثنائية في الكوميديا، ليصبح اسمه مرادفًا للبهجة جيلًا بعد جيل. في الخامس عشر من يناير، تعود ذكرى ميلاد إمبراطور الكوميديا، ذلك الفنان الذي لم يكتفِ بإضحاك الناس، بل منحهم سببًا دائمًا للفرح، وترك خلفه ضحكة لا تعرف الغياب.

وُلد سمير غانم عام 1937 بمحافظة أسيوط، لكن ولادته الحقيقية كانت على خشبة المسرح، حيث صنع مجده الحقيقي، وكتب اسمه بحروف من خفة الدم والذكاء والجنون المحسوب.

بدأت رحلة سمير غانم في مكان لم يكن يشبهه، حين التحق بكلية الشرطة استجابةً لرغبة والده. هناك، وسط الصرامة والانضباط، لم تفارقه روحه الساخرة، رغم ما واجهه من مواقف طريفة انتهت بسقوطه عن الحصان وفشله في الملاكمة وتعثره دراسيًا، ليغادر الكلية دون ندم.

التحول الحقيقي جاء مع انتقاله إلى كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، حيث وجد نفسه بين أضواء المسرح الجامعي، وهناك أعلن ميلاد موهبة استثنائية، قادمة من خارج الحسابات التقليدية.

لم يكن سمير غانم ممثلًا يؤدي أدوارًا، بل فنانًا يخلق عالمًا خاصًا، اعتمد على الارتجال، والنظرة الساخرة، والملابس الغريبة، والإكسسوارات الصادمة أحيانًا، ليؤسس مدرسة كوميدية مستقلة، لا تعتمد على الإفيه الجاهز، بل على الموقف والدهشة والتلقائية.

كان يضحك بعينيه قبل كلماته، وملامح وجهه الباسمة الساخرة ساعدته كثيرًا، فصار حضوره وحده كافيًا لإشعال المسرح.

في ستينيات القرن الماضي، جاءت اللحظة الفارقة بتأسيس فرقة "ثلاثي أضواء المسرح" مع جورج سيدهم والضيف أحمد. قدّم الثلاثي شكلًا جديدًا من الكوميديا الغنائية والاستعراضية في المسرح والسينما، وتركوا بصمتهم من خلال اسكتشات خالدة مثل "طبيخ الملايكة"، لتصبح الفرقة بوابة العبور الحقيقية نحو النجومية.

وبعد رحيل الضيف أحمد، واصل سمير غانم وجورج سيدهم النجاح كثنائي، وقدما مسرحيات أيقونية، أبرزها "المتزوجون" و"أهلا يا دكتور"، التي لا تزال قادرة على انتزاع الضحك بعد مرور عشرات السنين.

رغم تنوّع أعماله، تظل الفوازير العلامة الأبرز في مسيرة سمير غانم. بدأت رحلته معها عام 1968، لكن الذروة جاءت عام 1982 مع شخصية "فطوطة"، التي تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية وفنية استمرت حتى عام 1984.

بملابسه الغريبة وصوته الطفولي وحركاته غير المسبوقة، دخل فطوطة كل بيت عربي، وأصبح أيقونة رمضانية لا تتكرّر. واستمر سمير غانم في تقديم الفوازير لأكثر من ثلاثين عامًا، حتى اختتمها عام 1997 بفوازير "النص الحلو".

قدّم سمير غانم ما يقرب من 150 فيلمًا سينمائيًا، من بينها "30 يوم في السجن" و"البعض يذهب للمأذون مرتين"، إلى جانب نحو 70 مسلسلًا تلفزيونيًا، من أبرزها "حكاية ميزو" و"كابتن جودة"، ليؤكّد حضوره الطاغي.

في لقاء نادر من أرشيف ماسبيرو مع الإعلامية نهال كمال ببرنامج "تاكسي السهرة"، كشف سمير غانم عن فلسفته الكوميدية أثناء حديثه عن مسرحية "المحظوظ". أكّد أن سرّ العمل هو كوميديا الموقف، وأن الارتجال بالنسبة له ليس خروجًا عن النص، بل وسيلة لإثرائه وخدمة القصة وتحويلها إلى ضحك حقيقي.

كوّن سمير غانم عائلة فنية بامتياز مع زوجته الراحلة دلال عبد العزيز وابنتيه دنيا وإيمي. وفي سنواته الأخيرة، لم يتراجع عطاؤه، بل ظهر داعمًا لابنتيه دنيا وإيمي سمير غانم، وشارك في أعمالهما. وبعد رحيله، واصلت ابنتاه المسيرة، ليبقى اسمه حاضرًا في كل ضحكة وعلى كل خشبة مسرح.

تمرّ ذكرى ميلاد سمير غانم، لكن الغياب لم ينتصر. ما زالت أعماله خالدة، وما زال الضحك يتجدّد مع كل مشاهدة. سمير غانم لم يكن مجرد فنان كوميدي، بل ذاكرة فرح، ورجلًا قرر أن يمنح الناس سعادة لا تنتهي.

 

التعليقات