مَن يستسلم أولًا؟ أمريكا تشدد الحصار وإيران تتحصَّن "باقتصاد البقاء"

"من يستسلم أولًا".. ربما كانت هذه هي الإستراتيجية الجديدة التي يتبعها طرفا الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لتدخل الحرب مرحلة يتركز فيها الصراع على القدرة الاقتصادية لكل طرف على تحمُّل الضغوط.

ففي الوقت الذي تكثف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العقوبات والحصار، تراهن طهران على أن ارتفاع أسعار النفط والاضطراب في مضيق هرمز سيدفعان واشنطن إلى التراجع.

رهان طهران

وفقًا لصحيفة «وول ستريت جورنال»، ضاعف كبار مسؤولي إدارة ترامب الضغط الاقتصادي على إيران، وجعلوا خفض أسعار النفط هدفًا رئيسيًا للحرب، مع التعهُّد بفرض عقوبات مالية غير مسبوقة، تهدف إلى إجبار طهران على إعادة فتح مضيق هرمز.

ومع اعتماد ترامب بصورة متزايدة على الحصار البحري للموانئ الإيرانية كوسيلة للضغط المالي، يحاول القادة الإيرانيون إظهار أنهم لن يتراجعوا، وأنهم سيُبقون المضيق مغلقًا إلى أن تدفع أسعار الطاقة الولايات المتحدة إلى تغيير موقفها، وفقًا لما ذكره محللون.

وقال علي واعظ، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إن طهران استخلصت درسًا من كل مناورة تحدٍّ مع واشنطن، وهو أن الحفاظ على الهدوء لفترة كافية سيقود أمريكا إلى التراجع أولًا.

وأضاف واعظ أن النظام الإيراني يعتقد أنه يقاتل من أجل البقاء، ولذلك تميل التهديدات الوجودية إلى تعزيز عزيمته بدلًا من وضع حد أقصى لمقاومته، وفقًا لما قاله.

ضربة مزدوجة

وأشارت واشنطن هذا الأسبوع إلى أنها ستفرض قيودًا جديدة على الاقتصاد الإيراني خلال الأيام المقبلة.

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الإجراءات الجديدة ستكون بمثابة "ضربة مزدوجة" إلى جانب الحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية.

وأبعدت مساعي الطرفين لإلحاق الضرر بالاقتصاد المقابل كليهما عن المخرج الدبلوماسي الذي بدا أنهما توصلا إليه في اتفاق يونيو، والذي نصّ على تقديم مكافآت مالية لطهران إذا أعادت فتح المضيق ودخلت في مفاوضات جادة بشأن برنامجها النووي.

الضغط على الاقتصاد

وحسب "وول ستريت جورنال"، فإنه مع استمرار الصراع وفرض طهران سيطرة لم تكن تملكها من قبل على تدفقات الطاقة العالمية عبر المضيق، يبدو أن أولويات ترامب تغيّرت، وأصبح الضغط على الاقتصاد الإيراني محورًا أساسيًا في التعامل مع الحرب.

ازداد تشاؤم البيت الأبيض، خلال الأسابيع الأخيرة، بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية نووية نهائية مع طهران، وبدلًا من ذلك، ركز ترامب على الضغط على الاقتصاد الإيراني المنهك لدفع النظام إلى إبرام اتفاق يفتح الممر المائي.

وأشار وزير ​الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، إلى أن حملة الضغط على إيران تقترب من مرحلة أكثر شدة، وقال لشبكة "نيوزماكس" إنه سيتم الإعلان عن مزيد من الإجراءات الأسبوع المقبل، في إطار التصعيد الاقتصادي الذي تتبناه الإدارة الأمريكية.

وبحسب مسؤولين أمريكيين، يسمح فتح المضيق لترامب بإعلان النصر في الحرب والمضي قدمًا، وفي المقابل، تمنح سيطرة إيران على مضيق هرمز طهران وسيلة لطرح مطالبها على واشنطن من دون تقديم تنازلات بشأن جوهر برنامجها النووي.

ويعتقد المسؤولون الإيرانيون أن الوقت يعمل لصالحهم، ولذلك وسّعت طهران مطالبها المتعلقة بإعادة فتح المضيق، وتطالب إيران الولايات المتحدة بإنهاء الحرب ورفع الحصار وتخفيف العقوبات الخانقة وتجميد الأموال الإيرانية.

من يرضخ أولًا؟

وبات السؤال المحوري في الصراع يتعلق بالطرف الذي سيرضخ أولًا للضغوط الاقتصادية، وتصاعدت حدة المواجهة الكلامية الجمعة، بالتزامن مع استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية المتبادلة.

قال ترامب، خلال خطاب ألقاه في ولاية نيويورك الجمعة، إن، بعد هزيمة إيران، التي وصفها بأنها تتعرض لهزيمة شديدة، سيُعلن قريبًا أن مضيق هرمز أرض تابعة للولايات المتحدة، وقال مسؤول في البيت الأبيض لاحقًا إن تصريحات ترامب جاءت على سبيل المزاح.

ورد نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، عبر برنامج «إكس»، قائلًا إن مضيق هرمز كان إيرانيًا، وهو إيراني، وسيظل إيرانيًا، وإن إغلاق المضيق أو فتحه لن يتم إلا بأمر من إيران.

وأعادت البحرية الأمريكية حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» واستبدلتها بحاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن»، وسط مخاوف متزايدة بشأن ظروف المعيشة على متن «لينكولن»، والضغط الواقع على القوات نتيجة الانتشار المطول خلال الحرب.

استخدمت إيران القوة مرارًا لمنع السفن التجارية من دخول المضيق، ويرى محللون أن قدرة طهران على التصعيد العسكري تجعل من الصعب على واشنطن انتزاع تنازلات من إيران بالاعتماد على الضغوط الاقتصادية وحدها.

ويفضل ترامب حاليًا الحد من تأثير الحرب داخل الولايات المتحدة قبل انتخابات التجديد النصفي، وتجنب العودة إلى حرب شاملة عبر تكثيف الضغط الاقتصادي على إيران، وساعده مساعدوه في تبني هذه الإستراتيجية بعرض بيانات حول الضرر الذي ألحقته العقوبات بالفعل بالنظام، وفق «وول ستريت جورنال».

اقتصاد البقاء

وقال مياد مالكي، وهو مسؤول بارز سابق في وزارة الخزانة الأمريكية، أن إيران تعاني نقصًا في إمدادات البنزين يبلغ نحو 29 مليون لتر يوميًا، وهو ما يمنعها الحصار من تعبئته، مضيفًا أن الحصار يمكن أن يشل النظام إذا أوضحت واشنطن أنها لن ترفعه خلال فترة زمنية تستطيع طهران انتظارها.

مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، تتجه إيران إلى اقتصاد قائم على البقاء ومُصمَّم لتحمُّل الأزمة، وتفرض طهران، التي عانت سنوات من العقوبات، أعباءً إضافية على الأسر من خلال ترشيد استهلاك الوقود والكهرباء، وتقييد العملات الأجنبية الشحيحة وخفض الاستثمارات.

وفي الوقت نفسه، تحافظ طهران على الواردات الأساسية وموارد الدولة، ضِمن سياسة تهدف إلى التعامل مع الضغوط المتزايدة التي يفرضها الحصار والعقوبات على الاقتصاد الإيراني.

وحاولت واشنطن استخدام الأسلوب نفسه في وقت سابق من الحرب، عندما فرضت الحصار البحري بعد أيام قليلة من التوصل إلى وقف هش لإطلاق النار، وكان بعض المسؤولين الأمريكيين واثقين آنذاك من أن الحصار سيدفع إيران إلى تسوية الحرب وفق شروطهم خلال أسابيع.

لكن ترامب وافق في يونيو على اتفاق أنهى الحصار مقابل تعهد إيران بإعادة فتح الممر المائي ومناقشة برنامجها النووي، وبعد أسابيع، عادت إيران إلى مهاجمة السفن، اعتراضًا على جهود الولايات المتحدة لتوجيه السفن عبر الممر المائي.

 

التعليقات